أتشعرُ أنّك مرهقٌ جداً يا فتى؟ متعبٌ من كلّ شيءٍ، وساخطٌ على كلّ شيءْ، تبدُو لِي كذلك، وعيناكَ الضيّقتانِ، تزيدانِ من حدّتكْ، كلّما اكتملتْ تلكَ العقدةُ الّتي تعلُو وجهكْ . اهدأ، فأنا أستطيعُ أنْ أتفهّم غضبكْ ونقمتكَ على الحياةِ كلّها.
في يوم من الأيام وبينما الأب وابنه جالسون في صالة منزلهم يشاهدون التلفاز طرق أحدهم باب البيت وفتح الأب للطارق، وقال الرجل للأب أين المال الذي تدين له بي؟ متي ستدفع الخمسين ألف التي عليك؟، سمع الابن الحديث كله وعلم أن والده عليه دين كبير، فأسرع الابن لدولاب ملابسه وأخرج منه كل ما يملك من مال وأسرع وأعطي مبلغ 25 الف للرجل صاحب الدين.
ها أنت – أيها الربيع – . أقبلت ، فأقبلت معك الحياة بجميع صنوفها وألوانها : فالنبات ينبت ، والأشجار تورق وتزهر ، والهرة تموء ، والقمري يسجع ، والغنم يثغو ، والبقر يخور ، وكل أليف يدعو أليفه .
نظرَ إليّ مطوّلاً، كانَ في عينيهِ كلامٌ كثيرٌ، لكنّه فجأةً توقّفْ، اختنقَ الحديثُ في حلقه، غصّة بدتْ لي ظاهرةً للعينْ، سألتهُ ودمعةٌ ما رأيتها تسلّلتْ على غيرٍ موعدٍ . أنتَ ذاهبٌ، أليسَ كذلك؟ رفعَ عينيهِ إلَى السّماءْ وقالْ لي: إنّهم يَطلبوننِي كيْ ألتحقَ بهمْ، ألاَ تسمعينَ صوْتهمْ يا سّلمى، ألا تسمعينْ؟
وقفتُ علَى عتبَةِ العمرِ للحظةٍ. سألتُ نفْسِي منْ أكونْ؟ بعدَ كلّ هذا الوقْتِ الّذي مضى، وأنا أقلّبُ صفحاتِ الماضِي صفحةً صفحةً، وجدتُ نفْسِي جالساً على معقدٍ في مطارٍ، أقلّبُ صفحاتِ الجوازْ . كنت جالسا أنتظرُ أنْ أسمعَ ذلكَ الصوتَ الّذي يأتينَا ليخْبرنَا بقربِ إقلاعِ الطّائرة، كنتُ كمريضٍ خرج لتوّه من عمليّة صعبَةٍ معقّدةٍ، يهْذِي باسمِ الحياةْ .